محمد جمال الدين القاسمي
48
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ أي الخصلة البليغة في القبح ، وهي الزنى ، حال كونهن مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أي فاطلبوا من القاذفين لهن أَرْبَعَةً مِنْكُمْ أي من المسلمين فَإِنْ شَهِدُوا عليهن بها فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ أي احبسوهن فيها . ولا تمكنوهن من الخروج ، صونا لهن عن التعرض بسببه للفاحشة حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أي يستوفي أرواحهن . وفيه تهويل للموت وإبراز له في صورة من يتولى قبض الأرواح وتوفيها . أو يتوفاهن ملائكة الموت أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا أي يشرع لهن حكما خاصّا بهن . ولعل التعبير عنه ب ( السبيل ) للإيذان بكونه طريقا مسكوكا . قاله أبو السعود . وقد بينت السنة أن اللّه تعالى أنجز وعده ، وجعل لهن سبيلا . وذلك فيما رواه الإمام أحمد ومسلم وأصحاب السنن عن عبادة بن الصامت قال : إن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم كان إذا أنزل الوحي كرب له وتربّد وجهه . وإذا سرّي عنه قال : خذوا عني خذوا عني ( ثلاث مرار ) قد جعل اللّه لهن سبيلا . الثيب بالثيب ، والبكر بالبكر . الثيب جلد مائة والرجم . والبكر جلد مائة ونفي سنة . هذا لفظ الإمام أحمد « 1 » وكذا رواه أبو داود الطيالسي « 2 » ولفظه عن عبادة : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، كان إذا نزل عليه الوحي ، عرف ذلك فيه . فلما نزلت أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا وارتفع الوحي ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : خذوا حذركم قد جعل اللّه لهن سبيلا : البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة . والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 16 ] وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً ( 16 ) وَالَّذانِ : بتخفيف النون وتشديدها يَأْتِيانِها أي الفاحشة مِنْكُمْ أي الرجال فَآذُوهُما بالسب والتعيير ، ليندما على ما فعلا فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا أي أعمالهما فَأَعْرِضُوا عَنْهُما بقطع الأذية والتوبيخ ، وبالإغماض والستر . فإن التوبة والصلاح مما يمنع استحقاق الذم والعقاب إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً أي على من تاب رَحِيماً واسع الرحمة . وهو تعليل للأمر بالإعراض .
--> ( 1 ) أخرجه في المسند 5 / 317 . ( 2 ) أخرجه في مسنده . الحديث رقم 584 .